ابن الجوزي
248
صيد الخاطر
ومن أجلهم ويهلك بالرياء ولا يعلم . وإني لأتأمل بعض من يتزيا بالفقر والتصوف وهو يلبس ثيابا لا تساوي دينارا ، وعنده المال الكثير ، وقد أمرع نفسه بالمطاعم الشهية ، وهو عامل بمقتضى الكبر والتصدر ، فيتقرب إلى أرباب الدنيا ، ويستزري أرباب العلم ، ويزور أولئك دونهم . وإنما يرد ما يعطى ليشيع له اسم زاهد ، فتراه يربي الناموس وهو في احتياله كثعلب ، وفي نهوضه على أغراضه في الباطن كلب شرى . فأقول : سبحان اللّه ، ما يزهد إلا الثياب ! أترى ما سمع هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ان اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ؟ وأعوذ باللّه من رؤية النفس ، ورؤية الخلق ، فإن من رأى نفسه تكبر ، والمتكبر أحمق لأنه ما من شيء يتكبر به إلا ولغيره أكثر منه ، ومن رأى الخلق عبدهم وهو لا يعلم . فأما العامل للّه سبحانه وتعالى فهو بعيد من الخلق ، فان تقربوا اليه ستر حاله بما يوجب بعدهم عنه . وقد رأينا من يرائي ولا يدري فيمتنع من المشي في السوق ، ومن زيارة الاخوان ، ومن أن يشتري شيئا بنفسه ، وتوهمه نفسه أني أكره مخالطة السّوقة . وانما هذا يربي جاها بين العلماء . إذ لو خالطهم لا متحي جاهه ، وبطل تقبيل يده . وقد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار . وأبلغ من هذا كله أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم كان يشتري حاجته ويحملها . وخرج علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وهو أمير المؤمنين إلى السوق فاشترى ثوبا . وقد كان طلحة بن مطرف قارئ أهل الكوفة ، فلما كثر الناس عليه مشى إلى الأعمش فقرأ عليه ، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة . هذا واللّه الكبريت الأحمر ، والإكسير ، لا ما يظن اكسيرا في الكيمياء . والمعاملة مع اللّه تعالى هكذا تكون . فأما ضد هذه الحال فحالة عابد للخلق ملبس « 1 » وقد عم هذا جمهور الخلق حاشا السلف . أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب 201 - بعض المعاصي أقبح من بعض كل المعاصي قبيحة ، وبعضها أقبح من بعض ، فان الزنا من أقبح الذنوب ،
--> ( 1 ) في بعض المخطوطات منمس * ومنمس وملبس بمعنى واحد .